سحر الشرق

بضعة مني

قيس ولبنى

قيس ولبنى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حدثت هذه القصة تقريبا في العصر الاموي , في زمن معاوية, بطلها يدعىهو قيس بن ذريح الذي عشق لبنى .

في نفس الوقت الذي شهدت نجد فيه مأساة مجنون ليلى شهد الحجاز مأساة أخرى من مآسي الحب العذري بطلاها قيس بن ذريح وصاحبته لبنى.
هو مضري من كنانة، وهي يمنية من خزاعة، تجمع بينهما صلة نسب من جهة الأم، فقد كانت أم قيس خزاعية.
وكانت منازل كنانة في ظاهر المدينة، ومنازل خزاعة في ضواحي مكة.

كان قيس ابن أحد أثرياء البادية، وكان أخا من الرضاعة للحسين بن علي.
وذات يوم حار كان قيس في إحدى زياراته لأخواله الخزاعيين وهو يسير في الصحراء شعر بالعطش الشديد، فاقترب من إحدى الخيام طالبا ماء للشرب ، فخرجت له فتاة طويلة القامة رائعة الجمال ذات حديث حلو هي لبنى بنت الحباب .

استسقاها فسقته ، فلما استدار ليمضي إلى حال سبيله دعته لأن يرتاح في خيمتهم قليلاً ويستبرد ، فقبل دعوتها وهو يتأملها بإعجاب شديد .

وتقول الحكاية أن أباها الحباب جاء فوجد قيسا يستريح عندهم فرحب به وأمر بنحر الذبائح من أجله واستبقاه يوما كاملاً.

فتن قيس بلبنى واعجب بها اعجابا شديدا ومن يومها وهو يتعمد ان يمر دائما على ذلك الحي ليروي ظمأه وعرف ان اسمها لبنى, ثم اعترف لها بحبه في احد الايام واحست الفتاة صدق عاطفته فبادلته نفس المشاعر , فاحبها قيس بجنون وعرض عليها ان يطلبها للزواج من ابيها فوافقت بسعادة على ذلك , فرجع قيس الى ابيه وحكى له مابه وبين لبنى ورجاه ان يزوجه منها لكن ابوه رفض ذلك لانه كان ثريا وكان لا يريد لثروته ان تنتقل الى حي بني كعب بعد موته , واراد ان يزوج ابنه باحدى بنات عمه , وعندما يئس قيس من اقناع ابيه ذهب الى امه ورجاها ان تتوسط له عند ابيه كي يعدل عن رايه لكن امه كانت اشد اصرارا من ابيه واكثر معارضة لفكرة زواجه من لبنى , فاصاب قيس الياس والحزن الشديد من ابويه اللذان لم يحسا او يقدرا مشاعره , ودخل عليه يوما الحسين بن علي رضي الله عنه وكان اخوه في الرضاعة وكان ايضا يحبه حبا شديدا فراه مهموما فساله عن ما به واستحلفه بحق الاخوة ان يقص عليه ماحدث فاخبره قيس بما كان من امره مع لبنى وما كان مع ابويه ,فرثى الحسين لحاله ووعده ان يسعى هو لتزويجه منها وخرجا معا الى دار لبنى وماكاد ابوها يعلم بان الحسين بن علي في داره حتى هرع يستقبله بحفاوة وسعادة وبعد ان ضيفهما كلمه الحسين في ذلك فقال له ابو لبنى "ياابن رسول الله لو ارسلت لكفيت ,بيد ان هذا من ابيه اليق كما هي عادات العرب "

فذهب الحسين الى ابو قيس واقنعه ان يزوج ابنه من لبنى بعد جهد كبير , فتم زواجهما وفرح قيس فرحا عظيما وغمرت الاثنان السعادة ومع مرور السنين كان حبهما يقوي ويزيد وكان قيس شديد الحب لزوجته لبنى وفي نفس الوقت شديد الطاعة والبر بابويه , لكن ام قيس كانت تشعر بالغيرة من الحب والاهتمام الزائد اللذان كان قيس يوليهما لزوجته وتبين مع مرور السنين ان لبنى عاقر لا تنجب وكان ابواه يرغبان في ان ينجب لهما قيس وريثا

وصارت الام توعز قلب الاب بذلك حتى عرض الامر على قيس وطلب منه ان يطلق لبنى وان يتزوج احدى بنات قومه فرفض قيس ذلك رفضا شديدا , لكن ابوه ظل يصر عليه وقيس يرفض واشتد الخصام بين الاب وابنه ووجد قيس نفسه بين شقي الرحى فاي عاطفة ينقاد اليها عاطفة حب زوجته ام عاطفة بر والديه

واعتراه الهم والغم وهو يفكر في مخرج من هذا , فاتى الى ابوه وعرض عليه ان يتزوج هو لعله يرزق بولد اخر يخلد اسمه ويرث ثروته فيرفض ابوه ويقول انه صار كبيرا في السن , فيعرض عليه قيس ان يرتحل مع لبنى الى ديار اخرى فيرفض اباه ويقسم عليه انه لن يظله سقف بيت ابدا حتى يطلقها , وكان قيس شديد البر بابيه فكان اذا اشتد الحر خرج الى ابيه واظله واصطلى هو بالشمس فاذا جاء الظل تركه ودخل الى لبنى يبكي ,وكانت لبنى تشعر بالغم والحزن لما تراه وكلما رات الحاح ابويه تجزع وتقول له " إحذر ياقيس ان تطيع اباك فتهلك نفسك وتهلكني "

وكان قيس يؤكد لها حبه وتمسكه بها , لكن ضغط ابوه زاد عليه وراح يضغط عليه بشتي الطرق حتى رضخ قيس وطلق زوجته ولم يشعر بهول الصدمة الا يوم جاء اهلها ليعودوا بها الى ديارهم وهم حزينون على ماحل بابنتهم , فشعر قيس بالضياع والندم ولم يبق له الا الحسرة والندم فكان يؤلف القصائد يذكر حبه لها وايامهما الماضية ومالقى من فراقها , ومن ذلك قوله :

يقولون لبنــــــــى فتنة كنت قبلـــــها بخير فلا تندم عليـــــها وطلق
فطاوعت اعدائي وعاصيت ناصحي واقررت عين الشامت المتملق
وددت وبيت الله اني عصيتـــــــــهم وحملت في رضوانها كل موثق
وكلفت خوض البحر والبحر زاخر ابيت على اثباج موج مـــــفرق
كاني ارى الناس المحبين بعدهــــــا عصارة ماء الحنظل المتفلـــــق
فتنكر عيني بعدها كل منظــــــــــر ويكره سمعي بعدها كل منطـــــق


ثم زوجه ابوه من إمراة فزارية ولكنه لما ادخلت اليه لم يكلمها او يدنو منها ولا حتى نظر اليها , ثم اعلمهم انه يريد الخروج الى قومه اياما فاذنوا له في ذلك ,وكان له صديق من الانصار في المدينة اتاه فقال له الانصاري ان خبر زواجه بلغ لبنى فغمها وقالت انه غدار وقد كنت امتنع من اجابة قومي الى الزواج فالان انا اجيبهم وطفق يبكي ويقول :


وفارقت لبنى ضلة فكأنني ** قرنت إلى العيوق ثم هويت
فيا ليت أني مت قبل فراقها ** وهل ترجعن فوت القضية ليت
فصرت وشيخي كالذي عثرت به ** غداة الوغى بين العداة كميت
فقامت، ولم تضرر هناك، سوية ** وفارسها تحت السنابك ميت
فإن يك هيامي بلبنى غواية ** فقد يا ذريح بن الحباب، غويت
فلا أنت ما أملت في رأيته ** ولا أنا لبنى والحياة حويت
فوطن لهلكى منك نفسا فإنني ** كأنك بي قد يا ذريح، قضيت

كان قيس يعرف أن لبنى تحبه بمقدار ما أحبها، فركب راحلته وذهب إلى خيام أهلها وهناك راح ينشد الشعر.
يقول قيس بن ذريح مصورا كيف يروض نفسه على الرضا بالحرمان الذي فرض عليه، والتشبث بالآمال الضائعة التي أفلتت منه :


ان تك لبنى قد اتى دون قربها حجاب منيع ماله من سبيــــــــل
فان نسيم الجو يجمع بينـــــنا ونبصر قرن الشمس حين تزول
وارواحنا بالليل في الحي تلتقي ونعلم ايا بالنهار نقيـــــــــــــــل
وتجمعنا الارض الفرار وتوقنا سماء نرى فيها النجوم تجـــــول

وقال ايضا :

فان تكن الدنيا بالبنى تقلبت علي فللدنيا بطون واظهـــــــــر
لقد كان فيها للامانة موضع وللكف مرتاد وللعين منظـــــــر
وللهائم العطشان ري بريقها وللمرح المختال خمر ومســــكر
كاني لها ارجوحة بين احبل اذا ذكرت منها على القلب تخطر


لم يتوقف قيس عن ملاحقة لبنى بعد الطلاق .فلم يطق عن لبنى صبرا، واشتد حنينه لها، وشوقه إليها، فعاود زيارتها، وكان ابولبنى قد شكا قيس الى معاوية واعلمه بتعرضه لها بعد الطلاق فكتب الى مروان بن الحكم ان يهدر دم قيس ان تعرض لها وامر اباها بتزويجها من رجل اسمه خالد بن حازة ففعل ابوها ذلك , فزوجوها وعندما بلغ ذلك قيس ازداد غما على غم وجزع جزعا شديدا وجعل يبكي اشد البكاء وركب حتى بلغ ديارها ومرة أخرى لا يجد أمامه سوى شعره يبثه أحزانه وآلامه :

فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها ** مقالة واش أو وعيد أمير
فلن يمنعوا عيني من دائم البكا ** ولن يذهبوا ما قد أجن ضمير
إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوى ** ومن كرب تعتادني وزفير
ومن حرق للحب في باطن الحشى ** وليل طويل الحزن غير قصير
سأبكي على نفسي بعين غزيرة ** بكاء حزين في الوثاق أسير
وكنا جميعاً قبل أن يظهر الهوى ** بأنعم حال وغبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لهم ** بطون الهوى مقلوبة لظهور
لقد كنت حسب النفس لو دام ** وصلنا ولكن ما الدنيا متاع غرور


ويقول قيس بن ذريح مصورا عجزه عن نسيان لبنى، وكيف يخونه الصبر كلمامرت به ذكراها:

أريد سلوا عن لبنى وذكرها ** فيأبى فؤادي المستهام المتيم
إذا قلت أسلوها تعرض ذكرها ** وعاودني من ذاك ما الله أعلم
صحا كل ذي ود علمت مكانه ** سواي فإني ذاهب العقل مغرم


ويقول أيضا مصوراً محاولاته السلوان، وكيف ترده عنها نفسه الوالهة ودموعه المهراقة، حتى لتصبح هذه المحاولات تكليفا لنفسه فوق ما تطيق.
ففي أعماقه نار لا تكف عن التأجج والتوهج :

وحدثتنى يا قلب أنك صابر ** على البين من لبنى فسوف تذوق
قمت كمدا أو عش سقيما فإنما ** تكلفني ما لا أراك تطيق
إذا أنا عزيت الهوى أو تركته ** أنت عبرات بالدموع تسوق
كأن الهوى بين الحيازيم والحشا ** وبين التراقي واللهاة حريق
أريد سلوا عنكم فيردنى ** عليك من النفس الشعاع فريق


وقد روى الأصفهاني في كتابه "الأغانى" أن أشعار قيس لحنها الملحنون وغناها المطربون فاشتهرت وذاع صيتها حتى سمع بها زوج لبنى وساءت العلاقات بينهما ، فثار عليها، لكنها لم تعبأ بثورته وطالبته أن يطلقها إن شاء . وحين عاتبها على ذلك غضبت وقالت له "والله ما تزوجتك رغبة فيك ولقد علمت اني كنت زوجته قبلك وانه اكره على طلاقي , ووالله ما قبلت الزواج منك الا حين اهدر دمه ان جاء الينا او تعرض لي فخشيت ان يجد ما يحمله على المخاطرة فيقتل فتزوجتك ,وامرك الان اليك ففارقني فلا حاجة بي اليك " فتمسك بها وابى ان يفارقها , وكان ياتي لها بالجواري يغنين لها شعر قيس كي يستسمحها فكل ما تسمع شيئا من ذلك تظل تبكي اشد البكاء .
ومن اجمل ماقاله قيس :


اتبكي على لبنى وانت تركتها وكنت كاتي حتفه وهو طائــــع
فياقلب صبرا واعترافا بحبها وياحبها قع بالذي انت واقـــــع
وياقلب خبرني اذا شطت النوى بلبنى وبانت عنك ماانت صانـع
اتصبر للبين المشت مع الجوى ام انت امرؤ ناسي الحياة فجازع
كأن بلاد الله مالم تكن بهــــــــــا وإن كان فيها الناس وحش بلاقـع
اقضي نهاري بالحديث وبالمنى ويجمعني والهم بالليل جامـــــــــع
نهاري نهار الناس حتى اذا بدا لي الليل هزتني اليك المضاجــــع
لقد رسخت في القلب منك مودة كما رسخت في الراحتين الاصاــع

وبعد فترة ماتت لبنى فخرج قيس ومعه جماعة من اهله فوقف على قبرها و قال :
ماتت لبنى فموتها موتي هل تنفعن حسرتي على الفوت
وسوف ابكي بكاء مكتئب قضى حياة وجدا على مـــــوت

ثم سقط على القبر يبكي حتى اغمي عليه وحمله اهله الى منزله وهو في حالة من الذهول والاسى وظل ثلاثة ايام لا يتكلم ولا يفيق حتى مات فدفنوه الى جوارها ...............
وهكذا قضي قيس مضحيا بحبه لامراته لبره لوالديه مؤثرا قرابة الماضي على قرابة المستقبل , ومعظم الكتب التي تناولت هذه القصة اعتبرت قيس مخطئا في قراره مهما كان فيه من طاعة ...


حكاية لبنى تختلف كثيراً عن صاحبتيها ليلى وبثينة، فالقدر هو الذي فرق بينها وبين قيس بن ذريح، ولم يكن بوسعها أن تفعل شيئا وليومنا هذا مازال الاتهام يحاصر الزوجة أولا إذا لم تنجب، فإذا ثبت أن الزوج هو السبب نصحت بأن تضحي من أجله وتبقى معه، أما إذا ثبت أن الزوجة هى العاقر فلا أحد يطالب الزوج بأي تضحية، ويصبح من حقه أن يتزوج عليها أو أن يطلقها .

والحكاية تدل على أن لبنى لم تسلم قلبها للزوج الثاني الذي فرض عليها فرضاً، وظلت حزينة مجروحة الفؤاد تبكي بحرقة كلما تذكرت قيسا، أو كلما سمعت أشعاره الحزينة ترددها الجواري في مجالس الغناء .

وإذا كانت مأساة قيس بن ذريح ولبنى تمثل شيئاً من الخروج على هذا التشابه، فإن الإطار العام الذي دارت في داخله أحداثها يوشك أن يكون نفس الإطار الذي دارت فيه سائر المآسي الأخرى.

عاشقان يحب كل منهما صاحبه إلى درجة الجنون، ثم عقبات تعترض طريق سعادتهما فتفرض عليهما الشقاء والحرمان، ثم موت يطويهما، وستار حزين يسدل على المأساة، وذكريات تبقى، وشعر يخلد، ورمال البادية المتحركة تطوي في أعماقها أسرارا، وتكشف أسرارا أخرى.

وهكذا لم يستطع تحكم الأهل ولا سيطرة العرف والتقاليد، ولا احتجاب لبنى عن حبيبها، أو ابتعادها أو زواجها من رجل آخر أن يحملوا قيسا على نسيانها بل لعل هذه الأمور مجتمعة كانت وقودا أشعل نار الحب في قلب شاعرنا, وجعلها تزداد اضطراما مع الأيام، كما كانت جذوة ألهبت موهبته فانطلق يقول أعذب الشعر .
_____________________________



Add a Comment