Tuesday, October 28, 2008
الخالة أم مسعود
ـــــــــــــــــ
عُرفت الخالة أم مسعود بأنها سيدة شديدة الخوف .. تخاف من كل شيئ حتى من ظلها
فهي شديدة الهواجس والوساوس والشك والظن والريبة والحذر.
كانت تلك السيدة تسكن مع عائلتها في بيتها القروي القابع عند أطراف بلدتها الجنوبية
وكان من عادتها أن تصغي لكل صغيرة وكبيرة تصدر أصواتها في أرجاء البلدة
فإذا تحرك موتور سيارة تهيأ للخالة أم مسعود بأنه غارة جوية من غارات إسرائيل , وإذا ضرب أحدهم الحائط بيده تعتقد بأن القصف الإسرائيلي قد بدأ .. فتصرخ مرعوبة " بلش الدب " فإذا ضحك من حولها قامت الخالة لتؤكد لهم ناهرة إياهم أنصتوا واسمعوا "الدبع" أما تلك فكانت مفرداتها وتعابيرها الخاصة التي يعرفها الجميع.

أذكر أن كل أهل الحارة كانوا يعلمون بقصص خوف أم مسعود الشديد. وكانت صبايا الحارة وشبابها دائمي اللعب بأعصاب هذه الخالة المسكينه, يروِّعونها ليضحكوا . في حين كانت تلك لا تفطن لألاعيب الأهل والجيران إلا مؤخرا فتزداد حنقا عليهم وغضبا وأحيانا تدمع عيناها وهي تمتم ببعض الكلمات .. (من عرف الخوف عرفه ومن لم يعرفه لم يعرفه.. ربي لا يذيقكم ما أذاقني) . وتقبع مطئطئة الرأس في صمتها وشرودها الحزينين.
في تلك الأيام العصيبة, من أيام العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان كنا نعتقد بأن للخالة أم مسعود ذكريات أليمة مع الحرب ولّدت عندها ذاك الخوف الشديد . إلا أن أمها الحاجة أم محمود كانت تؤكد بأن ابنتها تخاف منذ صغرها وبأن الخوف شعورلا إرادي ولا يمكن التحكم به. فكانت الأم الحنون تشفق دوما على ابنتها وتسكِّن من روعها بكلمات طيبة تبعد فيها الهلع عن قلب ابنتها المرهف الإحساس .
وفي تلك الأيام كان للأبواب مزاليجها , والمزلاج هو عبارة عن دفاع أمني مؤلف من عصا حديدية طويلة تثبت خلف الباب قاطعة إياه بالعارضات, ومثبتة على الجدران المحيطة بالباب بواسطة تعليقات حديدية أيضا مسمَّرة بالحائط . كان المزلاج هو أمان الناس من شر اللصوص والدخلاء . فبالمزلاج لا يمكن للص أن يخترق أقفال الأبواب مهما بلغت خفته ومهارته .
أما الخالة أم مسعود فمن دون المزلاج لاتستطيع أن تنام الليل , رغم أنها ومن بعيْد غروب الشمس تقوم بدور الشرطي الحارس والسجان الأمين .. تمنع أولادها وأهلها من الدخول والخروج من الباب إن لم يكن لسبب رئيسي .. وتقوم بنفسها بإقفال الأبواب بالمفاتيح وتحرص على إزالتها من أقفالها قائلة في نفسها لربما كسر الحرامي الزجاج فلا أريد ليده أن تصل إلى المفتاح .. وتروح تخبئ المفتاح إما في عبها أو في أعلى رف في الخزانة وتحرص عليه أيضا كي يكون مخبأ تحت الثياب.
فوق هذا كله إن لم يكن المزلاج مثبتاً في مكانه تعتبرالخالة أم مسعودربأنها لم تقم بواجبها وبأن النوم لن يداعب عينيها ذاك المساء . هذه هي الخالة أم مسعود الحريصة والخوافة معاً .
حكي لنا ذات مرة عن الخالة أم مسعود بأنها ذات مساء من أماسي الصيف الحار كانت تنام على فرشتها الممددة على الأرض في غرفة النوم ..ومن شدة الحر كانت قد تركت نافذة غرفة المعيشة المقابلة لغرفة النوم مفتوحة علّ بعض الهواء يتسرب منها فينعش تلك الليلة العابقة بلفحات الهواء الساخن .. إلا أن سوء طالع الخالة أم مسعود جلب لها وفي تلك الليلة بالذات طمع بعض الصبية الأشرار. فقد كان هناك ثلة من الشباب المفلسين والتي لم تعد تصبر على رزقها فراحت تقتنص أرزاق غيرها .. وكان ذاك الشباك المفتوح على غير عادته ومن الضوء الخافت المنبعث منه قبلة لأنظارهؤلاء الصبية الذين راحوا يتفحصون محتويات الغرفة علهم يستفيدون منها بشيئ .
وإذا بعيني أحدهم تقع على بنطال العم أبو مسعود المعلق على عمود جاثم في زاوية الغرفة .. وإذا بريق الشاب يرطب حلقه وكأنه الزيت الذي ينير طرقات عقله الشيطاني فتلمع الفكرة الجهنمية فيه. تراءى الحل أمام ناظره فراح يخبر رفاقه بأنه وجد حدا لإفلاسهم وبأنهم هذا المساء سوف ينعمون برزق وفير . كان الشاب يركز نظره على جيب البنطال المنتفخ وهو يقول في نفسه بأنها لا بد غلة العم أبومسعود وهي بعد لحظات ستصبح في يديه يتقاسمها ورفاقه .
بقي عنده كيفية الوصول إلى البنطال رغم تلك الأبواب المدربسة .. فقد عرف الشباب اللصوص أن لا إمكانية لهم من اقتحام المنزل لذلك عليهم بحك ذكائهم المتوقد والنتيجة كانت سهلة للغاية لكنها تتطلب الصبر وبعض التركيز. أما الحل فكان بإيجاد قصبة طويلة تصل عبر القفص الحديدي الذي يغطي الشباك إلى ذاك البنطال المعلق على العامود .. وهكذا كان .. إلا أنه ما لم يكن في الحسبان هو حاسة الخالة أم مسعود السادسة التي أيقظتها من نومها لتنبهها للشئ الغريب الحاصل في بيتها .
وإذا بالخالة المسكينة وفي قلب الليل البهيم تفتح عينيها على بنطال معلق بين الأرض والسماء , يسير على تؤدة في رقصة مجنونة . فركت الخالة أم مسعود عينيها لتؤكد لنفسها بأنها في أرض الواقع وليست في أحلامها .. وإذا بها تتأكد بأن البنطال يسير وحده في الهواء معلقا في الفضاء, يهتز بهدوء ثابت لا يحركه إلا ومضات الضوء الخافت المنكسر على تعليقة الحزام المثبت فيه . فبدت تلك الومضات وكأنها عيون الشبح الغريب الذي طلع لأم مسعود من عتمة الليل البهيم. وإذا بالمسكينة تنفجر بنوبات خوفها الهستيرية بين الزعيق والصراخ والبكاء والولولة وكل الأصوات المعبرة عن الرعب الحقيقي .. وإذا بالصبية اللصوص يرمون القصبة من يدهم ويفرون هاربين تاركين وراءهم خيبة أملهم بالصيد الثمين وولولة أم مسعود التي أيقظت أهالي الحارة كلها, وتجمهر الجميع تحت أنوار المصابيح التي زادت من حرارة تلك الليلة الساخنة والكل تارة يضحك من حظ أم مسعود العاثر وتارة يشفقون عليها مرددين بأن للخوف أسبابه .. وتارة معجبين بفطنة وذكاء الشباب اللصوص الذين قيل فيهم بأنهم من شباب الحارة نفسها وبأنهم من جيران أم مسعود ونفى بعضهم الآخرأن يكون بينهم لصوص فلا بد أن يكون هؤلاء من خارج البلدة . وبقي سر اللصوص محفوظا, وبقي خوف الخالة أم مسعود في ازدياد .. وبقيت عجائز الحارة تردد أحداث تلك اللليلة مطلقين عليها بعضا من فكاهتهم لائمين الخالة أم مسعود قائلين مساكين هؤلاء الشباب الفطنين أرعبتهم الخالة وقطعت برزقهم !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتبتها : سحر الشرق
.
>
Add a Comment
<<Home