إنه الخريف , والسماء ملبدة بغبار العمارات الذابلة . كانت المباني القديمة تتساقط الواحدة تلو الأخرى بسبب التطوير العمراني الذي تشهده المدينة . راحت نسائم الأتربة تعبث بألوان الطبيعة وتطلي الصدور بعبق الأزمنة الفائتة . أما الأمل فكان مشدودا إلى المستقبل الموعود .. ربيع قادم يبدل معالم كل هذه الآثار ..
في خضم هذا العبث وكل تلك التبدلات, كان القلق يعبث بفكري التعِب فيما قلبي يقاوم غيوم الإنشغال والحيرة التي تحاول أن تجتمع وتتكاثف لتبدل صفاء ربيعه الدائم . فحبة قلبي لم يكن بعيداعن حالة الهرج والمرج التي تشهدها مدينتنا .. راحت ظروفه تسير مع السائرين في موكب التقلبات الذي يلف كل الشوارع والأحياء ومن فيهن وما عليهن . ومع ركب التغيير تغيّر النظام .. وما عدت أهنأ بأنس حبيبي كما عهدت .
لم أعد لأشبع من رؤياه . إن تسامرنا كانت أحاديثنا من خراج قلوبنا , لم يعد الوقت متمهلا ليسمح لنا بالولوج إلى بطن صدورنا لنطمئن في رحابها .. تبا للوقت, دائما خاطف اللحظات الجميلة وسارق الساعات الأنيسة .

أما عني فقد كنت كالبيت التراثي العتيق , أرابض عند صنع قدري , متحدية يد الزمان , مهما حاولتْ أن تحفر خطوطها على جدران حياتي كنت أرى تلك الخطوط نحت فني جميل يضيف ولا ينتزع . فأرمم الصدع لأبقى شامخة في صمود . وأشيل حمولتي على أنها تراثي الزاخر بذخيرة العمر.
لم يكن البرد المستيقظ من سباته الصيفي الطويل أكثر نشاطا وحيوية من عزيمتي التي راحت هي أيضا تتململ في استيقاظها من مخدع البؤس والحيرة . بينما كان الناس يعدون العدة لاستقبال شتائهم القادم كنت أعد النية على الإنقلاب على جيوش الوساوس والغيرة التي بدأت تشن معاركها على عقلي تمهيدا للزحف نحو قلبي .
هكذا كان المكان , ملبد بجميع أنواع الغبار . وحبيبي لاه بعروسه الجميلة , سيارة بيضاء جديدة , جاءت مع التطوير ..

كانت العروس كحمامة السلام في وداعتها , كالغيمة البيضاء في سماء صيف لاهب .. العيون منجذبة إليها والكل يشتهيها تظلله. وكان حبيبي فخور بسيارته الجميلة يستقلها بكبرياء ومرح, وبكل اعتزاز وطيبة خاطر يأخذ كل عصر بعضا من أفراد العائلة في رحلة قصيرة عليهم طويلة على صبري وانتظاري. هم يلفون الشوارع وكأنهم يريدون لذاكرتهم أن تسجل جميع خطوات معالم الإزالة والتطوير وأنا ألف حنايا ذاكرتي التي كانت تأخذني معها في رحلة عبر سنواتنا الماضية التي قضيناها سويا, أعيد تشغيل ما تسجل فيها من لحظات رومنسية ممتزجة بروحي .. يسترجعها شوقي إلى دفء حبيبي ويدونها حنيني إليه .. بسمات على شفاه الأمنيات .

أما السيارة البيضاء فقد كانت كالثلج على قلبي تشعرني بصقيع الغيرة وبرودة الإغتراب .
في المساء هم كانوا يعودون متعبون متمنون الراحة والسلام وأنا كنت أبقى في حيرتي, أيضا متعبة من كثرة التجاذب الحاصل في فكري بين المنطق والواقع وبين الطفولة والكهولة . أنفث قلقي النفسي بتنهيدة طويلة أهرب فيها من حاضري, لأختفي في إغفاءة ساكنة إلا من التطلع إلى المستقبل في ربيعه .
لم يكن دوري قد حان لألف معه شوارع المدينة المتغيرة . أكان ذاك التغيير أم كانت الضرّة المستأثرة ؟؟ أم أنه العهد القابع في عمق روحينا بأننا نفس واحدة ؟؟
أكان اليقين بأني راجحة العقل مرنة في استيعاب تقلبات الأحداث ؟؟ أم أنها الغيرة من جانبي التي دفعتني لأصرخ بأعلى صوتي وأطالب بحقي فيه ؟؟ أليس من حقي أن أكون أول جليس معه في سيارته الجديدة ؟؟ في رحلة مثل رحلات شبابنا الذي ما زال واقفا على الباب ؟؟
مابال طفولتي تشخص أمام عينيّ وكأني ما زلت في الخامسة من عمري أريد حضنه لأطمئن فيه, أريده أن يدلعني ويغنجني ويأتيني بحلوى المفردات كما كان يفعل !. أريده لي .. كله لي لا يشاركني به أحد .
ما بال المنطق الكهل في رأسي يعنفني ويسخر من أحاسيسي وأفكاري ويدعوني إلى الواقعية ونفض الأفكار السخيفة من رأسي !.
قد حان الوقت لأنفض عني غبار الأيام , وها هو عيد ميلاد حبيبي يرنو كما كل خريف . سوف أحجزه لنفسي في اليوم الموعود, سنكون كما نحن ساعات الصفاء, عصفورين في الجنة . سوف كما كل خريف نجدد ربيعنا, نرتشف حبنا المعتق إكسير حياتنا ونذوب في لحظات العشق لنولد من جديد .
سوف وسوف وسوف .. تتسابق الأمنيات والأحلام وتتدافع فيما بينها كل منها تريد لنفسها أن تكون في المرتبة الأولى, وتقف الآمال عاجزة إلى من التنهيد الذي يبث الصبر والإيمان في عيني المستقبل القريب .
وكان اليوم المنتظر, إستيقظنا كالعادة على الحب المرفرف في جنبات حجرتنا والفرح قابع في أعماق روحينا .. تمنيت له دوام العمر والعافية وحجزت لنفسي مقعدا في سيارته وطالبت أن يكون المشوار لي وحدي فقط أنا وهو وعروسه البيضاء التي لم أكن قد صافحتها بعد.
كانت الغيرة قد أخذت مني كل مأخذ وكنت أحس بضرورة الإنزواء عنهما فإن لم تكن الدعوة من تلقاء نفسه فأنا لا أرغب بمقابلة جميلته .. لكن كيف يكون لي ذلك وأنا التي تموت حبا فيه وفي كل ما يعشق ؟!
تغاضيت عن كل وساوسي ولعنت الشيطان الخبيث الذي يروق له أن يدخل بيننا, وبكل ما يزخر به ربيع قلبي من نشاط وحيوية رحت عصر ذاك اليوم أقفز فوق السلالم وأنا أطوي درجاتها وأسابق الريح لألحق بحبيبي بأسرع وقت ممكن فأنا لا أريد أن أفوّت من وقتنا بتضييع اللحظات هنا وهناك .

كالعادة كان حبي يستقبلني بابتسماته المشرقة ونظراته الدافئة وعباراته الهادئة الحنون . كان يجلس رافع الرأس باعتزاز على عرش دميته يضع يدا على المقود ويسند الأخرى على نافذة بابه وما إن جلست قربه حتى مثل بأنه السائق ورفع ما اعتبره قبعته للتحية وأخذ كفي بين يده ورفعها إلى شفاهه ثم قبلها سائلا بكل ما يملك من خفة ظل : إلى أين تريد الذهاب مليكتي الحبيبة ؟
لم أستطع منع نفسي من عناقه وتقبيله مجيبة إلى حيث يكون حبيبي ..
وتركنا العنان لعجلات السيارة تأخذنا حيث تشاء فإذا بها تبتعد بنا عن ضوضاء المدينة وتسلك طريق الصحراء الجنوبية . كانت الطريق تضيق شيئا فشيئا وعمارات المدينة وغبائرها تتلاشى خلف التلات النحاسية وخلف الشجرات الهرمة التي كانت جذوعها تسوّر الطريق ورؤوسها تتشابك لترسم قبة بين مسافة وأخرى . كانت السماء جميلة والجو بديع وطيور الشتاء تسير جماعات في رحلتها السنوية نحو الجنوب . بعد أن اطمأنينا في أحضان الطبيعة خفف حبيبي من سرعة سيارته وشغل موسيقى ناعمة جميلة لتضيف على عيدنا عيد.
لم تبدِ رأيك بعد , كيف وجدت السيارة ؟؟ أأعجبتك ؟؟ ما قولك فيها ؟؟ راح يسألني ,بكل السعادة المتجلية في تعابير وجهه , وبدون همس مني اتكأت على كتفه ولففت ذراعي حول عنقه وطبعت على خده الأيمن قبلة عميقة وكأني كنت أحرص على طبعها بكل الحبر الموجود في شوقي وحبي له .. وكأني لم أشبع حاجتي, فرحت رغم اليقين أؤكد لنفسه ولنفسي وأعيد عليه كم أحبه وكم أعشقه .
بكل الهدوء في صوته وبكل الحنان في همسه بادلني تعابير الهوى ورنم لي شعره معترفا للهوى نفسه بأن الغرام منبعه عشقه لي ..
يا لعباراته ماذا فعلت بقلبي الهائم وكم طلتني بألوان الخجل , الخجل من نفسي في الدرجة الأولى فلكم كنت أحتاج سماع الحب منه رغم أني على يقين بعمق حبنا وصلابته , وأنا التي تعشق الأرض التي يمشي عليها وتدرك بأن درجة حبه لي لا تقل أبدا عن درجة حبي له .. ما ذا دهاني حتى أصبحت دائمة الظن بأنه لم يعد ليوفر أوقاته لي !!.
سرّحت نظري في البعيد وسرحت معه بأفكاري وقلبي معلق بين يدي حبيبي .. كم فرحت به وهو يحتفظ بيدي في يده طول الطريق يقبلها بين فينة وأخرى .. كم طار قلبي فرحا وهو يدعوني لأقترب منه وأتكئ على كتفه .. وكم كنت راغبة بذلك رغم اعتراضي لأني لم أكن لأرغب بإلهائه عن القيادة ..

رغم أن طريق رحلتنا كان طويلا بعض الشيئ إلا أنه بدا قصيرا جدا بالنسبة لنا ونحن نتبادل الأحاديث التي لا تخلو من شقاوة حبيبي. هو بارع في قلب الحديث من دفة إلى أخرى وهو بارع جدا في إضحاكي وأنا التي تقول له دوما من أين لك كل هذه البديهة الحاضرة والملكة العذبة .. فلحديثه معي عذوبته التي تتسرب في كل أجزاء روحي وترويني بماء الحياة .
بين السمر ورنات الضحكات الحقيقية وبين ألحان الموسيقى الناعمة المنبعثة من راديو العروس الجديدة وصلنا مشارف الصحراء وبدت تلات الرمال تحدد الأفق وكأنها عباءات شيوخ مصطفين في جمع حواري مهم أما الغيمات العاجية التي كانت تصافح التلات بدت وكأنها عمامات الشيوخ المجتمعين . والشمس التي تركض لتقبل الأرض كانت تصبغ الرمال الصفراء بلونها الأرجواني الجميل . فبدت الطبيعة متوردة كعروس ليلة خطبتها .. بدت مقبلة زاهية رغم تهيئها للرحيل . ترجلنا من السيارة , ومشينا حافيا القدمين على الرمال الدافئة , اقتربت منه ألتمس مزيدا من الدفء وضمني إلى جنبه يخبئني تحت جناحه . ياه يا نسري الشاهق في سمائي كم أتمنى لو نبقى ملتحمين للأبد لا يفكنا عن بعضنا البعض شيء أبدا أبدا .

هاكِ حبيبتي كما رغبتِ ذاك اليوم , ألم تتمنين أن تأتي إلى هنا؟ .. ما زلت أذكر, وما زلت أتحين الفرصة لأطير بك إلى هذه الرمال, قالها حبيبي وهو ينقل نظراته البراقة بين عينيّ والأرجاء من حولنا . فلتت مني بعض الدمعات مجيبة أجل حبة قلبي قد تمنيت أن أستريح وإياك على هذه الرمال الدافئة , وأن نكون بمفردينا لا ثالث لنا سوى الله تعالى .. والقمر وبعض النجوم ... ورحت أبحث عن القمر, كان هلالا سمينا يطلع من خلف كثبان الرمال البرتقالية رفعت رأسي إلى السماء أبحث عن بعض النجوم , إثنين ثلاثة أربعة هذا ما ظهر منها حتى الآن , وأنا بين ذراعيه سألته إن كنت قد قلت له فيما سبق بأني أحبه وأموت فيه , وكعادته أجاب بلا .. أسمعيني .. ما الذي تريدين قوله .. وكلما كررت اعترافي إليه كلما اشتكى من شيئ في أذنيه يمنعه من السماع الجيد .

بوسع الصحراء الجنوبية اتسع قلبي ليمتلئ بحبه . رحت أركض على الرمال الدافئة وأنثر حباتها بأصابع رجليّ , كطفلة صغيرة رحت أدور حول نفسي فرحة بتنورتي وهي تتسع حولي لتتعالى معها ضحكاتي .. رحت أصرخ بأعلى صوتي وكأني أريد لصوتي أن يشق عباب السماء ويحفر على أنجمه وكل كواكبه وأجرامه : بحبك يا عمري , أحبك وأحبك وأحبك .. لا أدري كم مرة كررتها ولا أدري من أين كانت تنبع دموع غرامي التي سرت بكل كرمها لتخفف عني ,لا أدري مالذي جرى لي وكأني في حالة عشق هستيرية كيف لا وأنا لسنين طويلة أعتق كل هذا العشق في قمقم طري صغير يقبع داخل صدري .. كيف لا وأنا كلما كتمت حبي له وضغطت عليه ليبقى في جوفي استحال ماء مركزا يستقر في كل خلايا صبري وكتماني .. وكأني كنت بحاجة للصحراء وفضائها الرحب لأفضي إليهما ببعض ما أحمل , لأجثم على ركبتي وأسجد لمن خلقني وخلق نصفي الآخر كي لا يحرمني منه لا دنيا ولا آخرة وأن يبقينا هانئين معا .
لم أدرك إلا والعتمة تدثرنا والبرد القارس يزحف نحونا والسماء من فوقنا كانت قد امتلأت بشتى أنواع النجوم فبدت وكأنها صفحة بيضاء كوجه شاشة الحاسوب , وبدت كل تلك النجوم كأنها عبارة عن بيكسيلات صغيرة تجتمع لتؤلف رواية حبنا وتنقشها في السماء مخلدَة ما خلد ذاك العظيم في فؤادينا ..
بعد استراحة طويلة على الرمال الدافئة وبعدما أفضينا لبعضنا البعض بما في صدورنا من حب وعتب وأحلام وأمنيات وذكريات ومشاريع مستقبلية قررنا اتخاذ طريق العودة فليل الصحراء كان يزحف بسرعة وكانت تزحف معه نسائم الخوف والرهبة ولا أمان لنا إلا دفء العروس البيضاء وعجلاتها التي أخذت تشق الصقيع .
كنت متكئة على كتفه فيما كان يقود مسرعا نحو المدينة .. الجميع هناك بانتظارنا وكنا قد تأخرنا عليهم , كم تمنيت أن لا يشاركني بحبيبي اليوم أحد لكنه ذكرى مولده والعائلة تقيم له حفلا صغيرا بالمناسبة السعيدة .. أما حفلي الخاص فقد كان الإنفراد به وسرقته لي حتى من الوقت الذي لا يعرف متى يبطئ سيره .
في طريق العودة عاود حبيبي سؤاله عن رأيي في سيارته الجديدة, فيما كان لساني يبارك له ويتمنى له كل السعادة والهناء وأجمل الحظوظ وأسعدها كان عقلي يسرح في الساعات المقبلة .. بل الأيام والسنوات الآتية ..
أتراني كنت أصب جام غضبي على هذه السيارة الوديعة ؟؟ ما الذنب ذنبها ولا الظرف ظرفها ... إذن من يختلس مني حبيبي ؟؟ وهل أصبحت غيورة أنانية ؟؟ أم هو الحب المتعاظم ؟ أم هو الشوق المتضخم ؟؟
ليت أن الظروف كانت مظروف .. نرسل حاجتنا منها في البريد وحين نستلم الرد نجد في الظرف كل ما تمنيناه منه ..
كنت أغار من السيارة وها أنا الآن أغرق في مقعدها الوثير , وها هي اليوم قد طارت بي بأجمل رحلة .. وجلتُ فيها إلى أعماق حبيبي .. وكم كنت في الآونة الأخيرة قد استفقدت لذلك . قد لمت السيارة الجديدة على أنها من سرق مني روح قلبي ولمت حبيبي واتهمته بالإبتعاد عني .. وإذا بالإثنين معذورين ..
كنت أعتقد بأننا نحن من يطوع الظروف فإذا بالظروف هي التي تطوعنا ..
ودخلنا أطراف المدينة , وعدنا لنتنسم غبائر التغيير .
نحن ننظر إلى معالم الإزالة والتطوير بكل المنى والأمل بالتقدم نحو الأفضل رغم ما نعانيه من ركام وغبار وزحام وارتباك . أما اليوم فنظرتي لهذا الأمر حبلى بكثير من الرؤى والتطلعات.. أتراني أعود لروتين أيامي الأخيرة ؟؟ أتعود عجلة الزمن في سعيها نحو التبديل ؟ وأي تبديل تحمله لي الأيام؟؟
خارطة المكان تستمر في تقلباتها اليومية ودوام الحال من المحال رغم أني أجدّ ساعية كي أحافظ على هنائي وسعادتي.. حتى هذه, مع الأيام تتبدل معانيها!
قد كنت في حلم جميل مرّ عليّ كسراب في الصحراء .. يااه , حتى أن السراب بات شعلة أيامي .. أستنير به وأطمئن ببديع صوره التي ينسجها لي !
رغم كل هذه التأملات يبقى إيماني راسخ بأن الأصل لا يتبدل وبأن الحبّ مهما حفرت عليه تضاريس الزمن يبقى هوَ هو, كما الدهر, موجود ليسير معنا .. وليعبر معنا .. إلى الخلود.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم : سحر الشرق
.
08/10/29 02:35:00
>
>
Add a Comment
<<Home