يا أمِّي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يا عِلّةِ كياني , ورفيقة َ أحزاني .
يا رجائي في شِدَّتي وعزائي في شَقوَتي .
يا لَذَّتي في حياتي وراحتي في مماتي .
يا حافِظة َ عهدي , ومُطيّبَة َ مهدي وهاديةَ رُشدي , يا ضاحكة ً فوقَ مهدي .
أمي وما أحلاكِ يا أمِّي !.
إذا تركني أهلي فأنتِ لا تتركيني , وإذا ابتعدَ عني أحبابي فأنتِ لا تبتعدينَ, وإن نَقِمَتْ عليَّ جميع الحياةِ فأنتِ تصفحينَ وترحَمينَ. يا مُسَكـِّنة َ وجعي وألمي, ومُبدِّدَة بُؤسي وهَمِّي .
أنتِ وما أصفاكِ يا أمَّي !.
على بـِساط الأوجاع ِ وَلَدْتِني, وبأيدي الآلام ربيتِني , وبعيون الأتعابِ رعيتِني , وبصدر المَشَقـّاتِ حميتِني, ثم كَبـِرتٌ فقلوْتُ آلامَكِ , وهَجَرْتُ وسَلـَوْتُ أيامَكِ . هكذا نسيتُ أمِّي واحتقرتُ دمي .
فما أعقـَّّني, وما أوفاكِ يا أمي !.
قد غِبتُ عنكِ يا أمِّي فغابَ عن عينيَّ وجهُكِ الباسم ُ بملامِحِهِ الرقيقة , الرزينةِ , ومعانيه الدقيقة الحنونة . وتراكمت على رأسي هُمومُ الحياةِ بضجيجها الهائل ِ فضعضعتْ فكري , وزلزلتْ قلبي . وتقاذفتْني أمواجُ المتاعبِ والشقاء فغُرْتُ في لجج ٍ طاميةٍ وظُلُماتٍ داجيةٍ , وبعينين ِ غشّى عليهما الرُّعبُ نظرْتُ من أعماق ِ قنوطي , فرأيتُ وجهكِ اللطيفَ الثابتَ يبتسمُ إليَّ من الأقاصي البعيدة.
فبكيتُ وصرختُ : "يا أمِّي".
آهِ ما أقسَى الغربَة َ وما أمَرَّ الوَحْشَة َ ! قد كرهتُ البُعادَ يا أمِّي ! واشتاقتْ نفسي إلى ماضيها الأمينِ.
قد كرِهْتُ التمشي بين القصورِ الفخمةِ والمباني الشاهقةِ , واشتاق قلبي إلى بيتِنا الصغيرِ المنفرِدِ .
في المساءِ, عندما أنطرِحُ على فراشي الخشنِ القاسي أذكرُ يديْكِ اللطيفتين ِ
الناعمتينِ . وفي الليلِ عندما تمتزجُ أفكاري بأبخرة الأحلام ِ أشعرُ بقدميكِ الصغيرتين ِ تنقران ِ الأرضَ حولَ سريري . وفي الصباح ِ , أفتحُ عينيَّ لأراكِ فلا أرى غيرَ جدران ِ غرفتي السوداءَ , ولأسْمَعَكِ , فلا أسمعُ غيرَ أصواتِ الغُرَباءِ. وفي النهارِ أمشي متلفتاً بين النساءِ مُفتِّشاً سائلاً:
" أيتها النساءُ , هل رأيتُنَّ أمِّي !".
جِراءُ الكلابِ تجلِسُ في أحضانِ أمهاتِها , وفراخُ الدجاج ِ تحتمي تحت أجنحةِ أمهاتِها . وغصونُ الأشجار تبقى مُعانِقة ً أمهاتِها .
وأنا, أنا وحدي, بعيدٌ عنكِ , مشوقٌ إليكِ يا أمِّي !.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للأديب : أمين مشرق *
اللوحة للفنان : غوستاف كليمت Gustav Klimt
* أمين مشرق هوأديب لبناني كبير , من أدباء المهجر . ولد فيغرزوز عام 1898 , تخرج من المدرسة الاميركية بطرابلس وهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1914 ثم الى الاكوادور .
له مقالات وأبحاث متنوعة في الصحف والمجلات وهو من الاعضاء المؤسسين للرابطة القلمية .
له مقالات وأبحاث متنوعة في الصحف والمجلات وهو من الاعضاء المؤسسين للرابطة القلمية .
من آثاره: ديوان شعر . توفي عام 1934 في الإكوادار .
.









Add a Comment
<<Home